محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
159
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
التي تؤدي إلى نتائج ملموسة فعلا ) . لما ذا كانوا يستخدمونها بمثل هذه الكثرة ؟ لأنها كانت تتناسب بشكل ممتاز مع الأطر الاجتماعية للمعرفة . أقصد الأطر التي كانت سائدة طيلة القرون الثلاثة الأولى للهجرة ، حيث كان ينبغي عليهم أن ينقلوا شفهيا أولا ، ثم تدريجيا ثانيا عن طريق الكتابة ، تلك الشهادات الحيّة عن الزمن التدشيني المثالي والفضاء المقدّس للبعثة النبوية . يكفي أن نذكّر هنا بانتشار المصطلح التقني « الأخبار » وبمدلولالته . والأخبار جمع خبر ، أي الأحاديث المنقولة ، أو القصص والحكايات ، أو المعلومات ، أو المعارف « 1 » . أقول يكفي أن نذكّر بذلك لكي نقيس حجم أهمية القصة والدور الذي تلعبه في تشكيل الرؤية التاريخية - الأسطورية . وهي الرؤية التي شكّلتها أجيال المسلمين الأوائل عن نفسها ثم ورّثتها للوعي الإسلامي اللاحق حتى يومنا هذا « 2 » . لقد تراكمت كمية كبيرة من الأخبار التي سجّلت كتابة بشكل متأخر عن التواريخ الحقيقية لظهورها وانتشارها لأول مرة « 3 » . وقد وجد التبحّر العلمي الحديث ( أو الاستشراق الأكاديمي ) نفسه أمام هذا الكمّ الهائل من الأخبار . ولذلك راح يهتمّ فقط بجانبها الوثائقي لكي يكتب التاريخ « الوضعي » ، أو الوقائعي ، أو « الموضوعي » للتراث الإسلامي . ضمن هذا السياق نلاحظ أن الفصل بين الصحيح والموضوع ( أو المختلق ) يشكّل أول عملية من العمليات التي ينبغي أن يقوم بها العالم المتبحّر في العلم ( أي المستشرق الأكاديمي ) . ولكن القيمة الوثائقية ل « المختلق » أو ل « المزوّر » والتي يمكن الاستفادة منها لكتابة تاريخ الوعي الإسلامي كانت قد أهملت عمليا من قبل هذا الباحث المتبحّر في العلم « 4 » . ولهذا السبب ، فإننا نحاول أن نفرض مفهوم الحكاية التأطيرية كمحل لانبثاق هذا الوعي لأول مرة وتوسّعه « * » .
--> ( 1 ) إن مؤلّفات الجاحظ ( ت 256 ه / 869 م ) تمثّل إحدى أوائل التدخلات النقدية لأدبيات الأخبار . انظر أطروحة ل . سوامي غير المطبوعة : نقد الأخبار لدى الجاحظ : traditions des critique La : L . Souami . 1977 ، IV Paris ، inedite cycle e 3 de these ، Jahiz chez ( akhbar ) ( 2 ) انظر مقالتنا : « المظهر العام للوعي الإسلامي » ، المنشورة في كتاب نقد العقل الإسلامي ( بالفرنسية ) مرجع مذكور سابقا ، ص 151 وما تلاها . ( وكنا قد ترجمناها ونشرناها في كتاب تاريخية الفكر العربي الإسلامي بعنوان : « ملامح الوعي الإسلامي » ) . ( 3 ) لنكرر هنا مرة أخرى : أن التسجيل كتابة لا يعني نهاية الانتقال ( أي انتقال النصّ ) عن طريق المشافهة ( انظر ما قلناه في الهامش ص 157 ) . فالنقل الشفاهي ( أو عن طريق الذاكرة ) ظل مستمرا ومتوازيا مع النقل الكتابي . ( 4 ) إن الأمر يتعلق بكل « النطاق » الذي أخذ المؤرّخون يستكشفونه تحت اسم : علم النفس التاريخي . والوثائق المتوافرة بالنسبة لهذا العلم أضخم وأكثر غزارة بما لا يقارن من تلك المتوافرة بالنسبة للتاريخ الاجتماعي والاقتصادي . * بمعنى أن الوعي الإسلامي انبثق أو تشكّل لأول مرة من خلال القصة وبواسطتها ، وليس من خلال الفكر المنطقي الاستدلالي .